كثير من التفكير

عندما تمر بأحداث كثيرة في فترة زمنية وجيزة تختصر فيها سنة أو سنتين من حياتك إن أمكن فإن الأفكار بلا شك تتكدس في عقلك بشكل مخيف… تفكر وتفكر وتفكر، ويبدو أنها لا تجد نهاية لدورانها في عقلك، أو أنك أنت من لا يكف عن استدعائها بلا شعور أو وعي. لكن مهلا حقا كيف لي أن أرتب هذا الكم الهائل من الأفكار في حين أن أنفاسي لا زالت متلاحقة تريد استدراك الأمر…

نفس المكان، زمنين مختلفين:

منذ أن وصلت هنا بعد غياب طويل، رغم أن زرت المكان لأسباب عديدة في فترات زمنية متباعدة، إلا أن الإحساس هذه المرة مختلف، كل ركن وكل زاوية يذكرني بمراحل عديدة من تكوين شخصيتي وتبلور كياني، هناك تعلمت معنى أن تبتعد عن مصدر الدفئ و الحنان لأول مرة في حياتك وفي سن لا زلت تحمل فيه أحلام طفولية في حقيبتك وكراسة مزخرفة بلطافة ترسم فيها خربشاتك الا متناهية التي تعني لك العالم ولا تعني لآخرين سوى خربشات طفلة لم تفهم الحياة بعد، ومقلمة تحوي مختلف الألوان التي بالنسبة لهم مجرد أقلام ملونة بينما أنت تلونين بها حياة، وتزيلين بها ملامح الحزن عن وجه أضناه التعب من كثر الهموم، وتنيرين بها الأزقة والشوارع التي تمرين بها مضافة إليها ابتسامة ترقق القلوب… وهناك في مقاعد ذلك المدرج عرفت لسنوات معنى أن تكون في قمة الوحدة رغم أنك محاط بالمئات… عرفت فيه معنى أن تحمل في قلبك آمالا رغم شدة سواد وقبح المنظر… تعلمت أن يضمحل تميزك في وسط روتيني ممل، رغم ذلك الفانوس المضيء الذي تحمله بيدك لينير لك دربك وأنت تريه لمن حولك بكل حب وثقة وسذاجة أيضا….  وهناك نعم هناك بكيت بحرقة، لقد كانت عيني تعبر عن كل ما في داخلي من قهر لكن لم يلقي أحد بال لذلك، وكنت أتساءل أفي أرواحنا النقية عيب أم فيهم…

كانت رجلاي تسوقانني إلى كل رقعة من المكان دون وعي مني و أنا أرى فيه زمنا مضى، لكنني استوقفتها: مهلا يا نفسي العزيزة لا تنساقي وتنسلي إلى داخل ذالك السرداب الموحش، أو لا ترين أن الزمن قد اختلف ؟ ، قالت بلا حتى أن كل شيء يبدو مختلفا؟ قلت أوليس كل شيء قد تغير؟ فاجئتي بمطابقتها للفكرة التي تجول حولنا، وأحسست بفيض من المشاعر الجياشة حينما خاطبتني بأسلوب رقيق شفاف هو حديث النفس في لحظات الصفاء : نعم هو نفس المكان بزمنين مختلفين، نفس المكان لكنك اليوم في حلة جديدة، جوهرك هو نفسه، لكن التفاصيل التي كانت دائما بداخلك تبحث عن طريق للخروج قد صقلت وبرزت على السطح…. أومأت وأنا أجد جسدي قد وجد طريقه إلى باب تلك القاعة… ابتسمت بشكل لا يكاد يرى، وأنا أتمتم: نعم هو نفس المكان لكن بزمنين مختلفين، بل بشخصين مختلفين….

مهمة، ورسالة تؤدى:

حدثتني صديقة مخلصة عزيزة بعد أن تصفحت المدونة وهي تتسائل: أو عدلت عن الفكرة التي انطلقت بها؟ رددت مستغربة : عن أي فكرة تتحدثين فأفكاري كثيرة ؟ قهقهت ثم أضافت ببعض الجدية: أعلم أن أفكارك لا تنضب، لكن اتحدث عن الفكرة الأساسية التي أنشئت من أجلها المدونة، أرى أن مواضيعك مشتتة نوعا ما. أجبتها وأنا ابتسم وبسرعة وكأن الجواب كان على طرف لساني: أعلم ذلك ولا لم أعدل عن الفكرة. بدا استغرابها واضحا وهي تجيب: إذا ماذا تنتظرين؟؟؟ …. عدت للمنزل وأنا أسأل بدون توقف، ماذا أنتظر؟… لكني في كل مرة كنت أعود لأجد نفسي أجيب نفس الجواب، أريد أن أكون أقرب للقارئ، أريد أن أقرب شخصيتي وطريقة تفكيري أكثر إلى المتلقي، أريد أن أحافظ على هذا النمط من التواصل حتى عندما أخوصص المدونة بمجال معين…. أريد حقا أن أعطي كل ما عندي وأن انقل المدونة إلى مستوى آخر وأكون بذلك أقوم بمهمتي الأساسية ألا وهي إيصال رسالتي، أو على الأقل لنقل أني سأخطو خطواتي الأولى نحو تحقيق هدفي السامي وهو رسالتي في الحياة، لكني أجد نفسي دائما أتوقف لأيام، ثم اسابيع، ثم أشهر…وأخاف أن تتجاوز ذلك…. فأنا أريد أن أبدأ فعليا، وأريد أن أحافظ على هذا التواصل الشفاف، ويبدو أنني لم أجد نقطة التوازن بعد…. نعم هذا هو التعبير الصحيح لم أجد نقطة التوازن بعد فقط….

 لحظة عجز:

طلب مني مؤخرا التعريف عن نفسي وعن اهتماماتي وعن مشاريعي أشياء مشابهة في حصة تعريفية، وكنت أحسب نفسي على عهدي القديم حيث ينطلق لساني بكل سلاسة وهو يغرد بكلمات منمقة ولها رونق خاص تشد كل من يستمع وكل ذلك باللغة الفرنسية، لكن وفي لحظة معينة تبعثرت الكلمات وبات لساني يعبث بالكلمات وعقلي ينقذه بمصطلحات باللغة الإنجليزية فقط لا غير، أحسست بحرارة الموقف والكل ينظر إلي وينتظرون في ثواني خلت أن الأكسجين قد انقطع فيها من الغرفة أن استرسل في الكلام ليفهموا قليلا ما أحاول أن أقول…. لكن أكملت الكلام بصعوبة وأنا اتلقف الكلمات فوصل المعنى بركاكة أو كذلك خيل لي… منذ ذلك اليوم وعقلي يكاد ينفجر كيف لمستواي أن يتراجع بهذه الطريقة العجيبة، وبدأت ألوم نفسي، هل أوليت اهتمام أكبر في السنوات الأخيرة إلى اللغات الأخرى وأهملت هاته، هل وهل وهل … لكنني الآن أطمئن نفسي، لا تقلقي بإمكانك استرجاع مستواك ببعض من العمل فكل شيء لازال مخزن في تلك الغرف في عقلك… فقط اهدئي، وركزي على ما يمكنك فعله لتدارك المستوى، لا على المشكل في حد ذاته.

التطور مطلوب:

 عندما تصل إلى تلك المرحلة من حياتك، وفي تلك الرقعة بالظبط حيث يسلط عليك الضوء لكي تكشف ما في جعبتك، يجب أن تستعمل كل ما دأبت عليه لسنوات وسنوات، تتعلم وتنقش على ذلك الحجر المعهود الذي يتغنى به الكل في الصغر. لكن، وفي لحظة ما تجد نفسك تريد أكثر من ذلك، وهناك شيء ما بداخلك يريد شيئا آخر، هناك وسط صدرك تسمع صدى لتلك الأصوات الثرثارة الموجعة تارة والمسلية تارة أخرى، تطالبك بأن تفسح لها المجال لتظهرعلى السطح وتهبك شخصية “غير” عن القطيع، عفوا لقبح التعبير، لكن بعد ما آلت إليه مجتمعاتنا فليس لك أن تصفها إلى بالقطعان، إلا من رحم ربي طبعا. لا زلت أتسائل في خضم ما يعرض علي دائما في تلك البقعة تحت شعار “ما سيوصلك للقمة” عن تلك الترهات المبطنة والمنمقة بمسميات كالتطور المطلوب والمتعارف عليه، في عرفهم طبعا، وبداخلي تنمو بيئة من التطور المطلوب في أعرافي أنا.

يوم من الإختناق:

الساعة الثامنة صباحا… لم أخطء طبعا هي كذلك، وأنا من أحكمت المنبه ليوقظني من ذالك الشهد والعسل المصفى… أحسست بثقل فوق مقلتاي، لكن ما ينتظرني أهم من فسحة الألم ما بين الأحلام واليقظة، لكن هناك شيء غريب شيء ما يجثم على صدري حتى أكاد أسمع صوت الهواء يمر في القصبات الهوائية… لا أعرف كيف أتعامل مع هذا النوع من المضايقات المفاجئة في يومي الخارق كعادته، أحس بالعجز، وبالفتور، ولا أعرف بأي شيء يجب أن ابدأ…

الساعة الواحدة مساء، لا زلت أحس بالإختناق، أكاد لا أعرف أي طريق آخذ، أصل إلا مكاني الخاص وأحاول أن أجد أي شعلة حماس تعيدني للطريق لكني لا أجد، فمي مطبق وعقلي مليء بالثرثرة التي يجب أن أهذبها بالكتابة، يجب أن تجد طريقها خارج عقلي بأسرع وقت مكن…

الساعة الثامنة مساء… أجني أبحث في المسودات فأجد خربشات متفرقة لم أجرؤ على نشرها من قبل… أهو عدم ثقة بالنفس أو هو انتقاص من النص نفسه؟ لا ليس بذلك ولا بذاك، لكني كنت أراها خربشات هي أقرب إلا ثرثرة روحي التي يجب أن تقبع في تلك الزاوية، لكن ولسبب ما أظنه هذا الإختناق الذي صاحبني اليوم سأكبس على زر النشر وبدون تفكير… نعم التفكير… التفكير الكثير هو الكلمة التي جعلتني أكتب بدون انقطاع.

لن أثرثر أكثر تصبحون على خير، وإلى أولئك اللذين يقرؤونها صباحا، صباح الخير…

2 thoughts on “كثير من التفكير

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s