ما كنت أود أن أعرفه قبل دخولي الجامعة.

السلام عليكم ورحم الله وبركاته،

ما الأخبار أصدقائي، أتمنى كالعادة أن تكونوا في أتم الصحة والعافية.

أول شيء أقوله لك وقبل أن تدخل أي تخصص أو تفعل أي شيء، من فضلك خذ لحظات من وقتك، قد يكون يوم، قد تكون أيام، قد تكون أشهر أو حتى سنة من يدري!!! لكن ضع نصب عينيك أنها أهم مرحلة مهما أخذت الوقت، صدقني هي استثمار… هذه المدة التي ستخصصها من وقتك ستكون لتحديد من أنت ؟ ما هويتك؟ ما ميولاتك و اهتماماتك؟ ما تحب؟ ما هي نقاط قوتك؟ ما هي هواياتك؟ ما هي مواهبك؟…إلخ.

ببساطة حاول أن تتعرف على نفسك في هذه المدة من جديد، من الممكن أن تكون تعرف كل هذا من قبل لكن اعتبرها فرصة لفلترة كل ما تعرفه عن نفسك وتكتشف ما الحقيقي فيها والتي تطابق حقا كيانك وتشبهك، وما الزائف فيها الذي اخترته ليكون جزء منك لأنه يناسب والديك وما يريدانه أو مجتمعك أو محيطك أو أي شيء آخر خارجي عنك وعن ذاتك الحقيقية… كيف تكتشف ذلك كله ؟ ابحث عن ما يجعل عينك تلمع من الشغف، عن الأشياء التي تجعلك تقوم صباحا بكل همة ونشاط حتى لو بدون منبه، ابحث عما يجعلك تشع سعادة وحيوية.

نصيحة مهمة: لا تختر أي شعبة أو أي شيء ستقوم به لمجرد أن أصدقاءك كلهم اختاروا نفس الإختيار، أو أنها مهنة العائلة، أو لأنها الشعبة التي تمنحك الوظيفة التي تحقق أعلى مستويات النجاح وأعلى راتب… لا تفعل ذلك إلا إذا كنت متأكدا من أنك تحب ذلك الإختيار…. لأنك إن فعلت ذلك من المرجح أنك ستنطفئ بعد مدة زمنية معينة، وستندم…

لنفترض أنك اخترت الشعبة التي تريد وأنك الآن طالب جامعي:

1-تخلى عن فكرة أنك تدرس من أجل أن تحصل على شهادة تمكن من العمل، أو تسمى فقط حامل لشهادة جامعية، فهي لا تساوي شيئا ولا تمنحك قيمة معينة، أنت وحدك من يحدد قيمتك، الأهم من الشهادة الجامعية هي كفاءتك التي تصنعها أنت باستمرارك في تطوير نفسك.

2- جهز نفسك لنظام جديد مختلف تماما عما عهدته في النظامات الدراسية السابقة، في الجامعة تتلقى محاضرات فقط، لذا عليك أن تعتمد على نفسك بشكل كلي في تجهيز منهج خاص بك فيه كل المعلومات التي تحتاجها حتى وإن كان لديك منهج خاص بالأساتذة الذين يدرسونك، فمن المهم جدا-وستعلم ذلك جيدا بعد وقت طويل في الدراسة الجامعية-أن يكون لك منهج خاص بك لتكون معرفة معمقة بالشيء الذي تدرسه، ولتعزز كفاءتك فيما بعد.

3- بمجرد أن تختار شعبتك وتبدأ الفصل الدراسي ضع لك خطة لقراءة أهم المؤلفات لأفضل الكتاب في مجالك الدراسي، ثم تدرج في ذلك بدءا من الأساسيات وهكذا. هذه الخطوة ستغيرك كثيرا وتوسع مداركك وتجعل فهمك للنظريات والمفاهيم الأساسية أعمق وتجعلك شخص ذا معرفة وتميز في مجالك. لأصدقكم القول هذه من أكثر الأمور التي ندمت لأنني لم أطبقها منذ دخولي الجامعة لكان شكل فرقا شاسعا، لكن لا بأس ما دام الشخص يتدارك الخطأ.

85fifteen-323874-unsplash.jpg

4- لا تنتطر فترة الإمتحانات لتبدأ بمراجعة الدروس والمحاضرات، بل نظم وقتك بحيث أن يكون هناك مراجعة مستمرة وفهم مسبق ومتدرج للدروس فبذلك يسهل عليك الأمر في فترة التحضير للإختبارات لأنها تكون فترة صعبة جدا فيها ضغوطات كثيرة، ويكون الوقت فيها ضيقا لا يسمح بأن تفهم كل شيء بشكل صحيح وعميق ودقيق. كما أن العامل النفسي يلعب دوره في جعلك من كثر القلق والتوتر تقضي وقتا طويلا في فهم مسألة واحدة دون فائدة تذكر.

5- التحضير لفترة طويلة وبتدرج وقبل وصول فترة الإمتحانات يعطيك الفرصة للتمرس وضبط الأمور فيختفي التوتر مع الوقت لإحساسك بأنك متمكن، وبذلك يختفي التوتر أو على الأقل يتخفف. وهي من أكثر الأمور التي انصح بها الطلاب الجدد عندما يسألونني عن كيف أتخلص من التوتر والقلق خلال فترة دراستي الجامعية فيكون هذا من أول النصائح لأن من أكبر المسببات للقلق في هذه الفترة هي الإمتحانات وفكرة الرسوب في المادة أو إعادتها والضغط الهائل والسباق مع الزمن الذي يكون فيه الطالب ليلم بكل المعلومات المتواجدة في المقرر. لذلك القليل من التنظيم والإصرار والحرص على أن ينفذ الطالب المخطط الذي رسمه لنفسه يخفف بإذن الله الإحساس بالتوتر المفرط.

6- عند المراجعة راجع بطريقتين مختلفتين، واحدة جماعية والأخرى فردية، واحرص كل الحرص على أن تراجع بالطريقتين معا. بالنسبة للمراجعة الجماعية يفضل أن تكون قد اطلعت على محتوى ما سيتم مراجعته أو تدارسه بشكل طفيف ليكون عقلك لديه الأساس

alexis-brown-82988-unsplash.jpg

ليبني عليه مفاهيم أعمق، ويفضل أن يكون في المجموعة شخصين إضافيين غيرك على الأقل لكي تكون المراجعة ثرية، وبذلك من غفل عن شيء فهناك بالتأكيد من انتبه له، ومن لم يفهم شيء فهناك شخص آخر قد فهمه ولو بشكل جزئي، وبهذا إن استعصى على المجموعة ككل مسألة ما فبإمكانكم الإستعانة بأستاذ المادة أو من بإمكانه مساعدتكم. الشيء الذي تعطيه لك المراجعة الجماعية هي أنها تساعدك على الإلمام بكل شيء في منهجك ولا تترك لك مجالا للتيهان ولا أن تبقى متوقفا لوقت طويل أمام المعيقات، فتتيح لك الفرصة لفهم وتعلم سلس. أهم شيء في الموضوع أن تختار بعناية مجموعتك فهي مسألة نجاح بالأخير. بعد ذلك تأتي المراجعة الفردية وهي التي تمكنك من ضبط الأمور، وهي التي تجعلك تتأكد من أنك فهمت حقا وتثبت المعلومات أكثر وتختبر نفسك بشكل نهائي لقدرتك على استحضار المعلومات والقيام بما يجب بشكل جيد، وبهذا تتجنب وهم المعرفة.

7- من المؤكد أن الدراسة الجامعية متعبة وشاقة وتأخذ منك الكثير من الوقت، لكن لا تجعل الدراسة كل حياتك، مارس هواياتك باستمرار، اجعل لك يوما على الأقل في الأسبوع لا تفعل فيه أي شيء يخص الدراسة، انخرط في الحياة الإجتماعية الطلابية واستفد من مرحلتك الحالية قدر الإمكان،مارس الرياضة، تعلم العزف على آلة موسيقية معينة، تصيد الفرص التي من شأنها أن تعلمك الكثير من الدروس فتكمل هذه المرحلة من حياتك وأنت إنسان آخر أكثر نضجا وعلما وتفتحا للحياة، ولا تحمل أي جانب من الجوانب الأخرى من حياتك، أعطي لكل ذي حق حقه. ولا تنسى نفسك في خضم ذلك كله، لا تسهر من أجل امتحان، ولا تتجاوز وجباتك الغذائية بحكم أنك مشغول بالتحضير للإمتحان، ولا تتعب نفسك وترهقها من أجل امتحان، صدقني سينقضي الإمتحان وتجد نفسك وجسدك في حالة يرثى لها وتعلم حينها أن لا شيء أهم من صحتك وجسدك.

ben-duchac-66002-unsplash

8- اختر جيدا محيطك ولا تتساهل في ذلك، فمحيطك يعطيك فكرة عن كيف ستكون النتائج في الأخير، ابتعد عن المتشائمين، عن المحبطين، عن المستهترين، عن أبو العريف، عن المستفز، عن الذي يسرق طاقتك باي شكل من الأشكال، وكن واضحا وصريحا في وضع حدود بينك وبين الآخرين ولا تستحي من قول الحق أبدا، ولا تترك أحدى يملي عليك ما تفعله فأنت أدرى بما تريد ومن تكون وإلى أين تريد أن تصل. أيضا خذها قاعدة، لا تستمع إلى ما يقال لك عن أي شخص آخر أو أستاذ آخر أو مادة معينة، اكتشف ذلك بنفسك فلك الحق في ذلك، وأكاد أجزم لك أن كل ما يقال لك لا يمت لحقيقة الأمر بصلة غالبا، أعط لنفسك فرصة اكتشاف الأمور واختبرها بنفسك فهي جزء من تجربتك، استمع لكل شيء لكن أترك الحكم النهائي لك. كذلك اجعل لك محيطا محفزا ولتكن لك قدوة في النجاح واسعى لأمجادك بكل شغف ولا تلتفت للأفواه المحبطة.

9- وأخيرا أردت أن أتطرق لأمر مهم جدا على الأقل من وجهة نظري ومن خلال تجربتي الشخصية. إذا كنت تعتقد أنك تقوم بكل ما يجب عليك فعله في دراستك وأنك متقن وملم بدروسك ونك قد حضرت بالطريقة المناسبة لكنك ولسبب أو لآخر لا تحقق النتائج المرجوة ولا تنجح إلا بصعوبة بالغة فلربما تعاني من فوبيا الإمتحانات كما كان الأمر في حالتي شخصيا. الأمر يتطلب منك أن تعطيه اهتماما كبيرا وفي حالة ما إذا أحسست أنك بحاجة إلى تدخل اختصاصي لا تبخل على نفسك بذلك فهو سيساعدك ويغير جزء كبيرا من حياتك. فوبيا الإمتحانات من الممكن أن تكون جذورها وأسبابها من الطفولة، لذلك مهما فعلت وحاولت من تمارين استرخاء، وتمارين للتخلص من التوتر والقلق، ومهما خططت وعملت بجد وحاولت جاهدا الإلمام بكل شيء وضبط الأمور إلا أنه من الممكن أن تجد نفسك يوم الإمتحان لا تتذكر شيئا مما حضرت، أو فجأة وسط الإمتحان لا تستطيع أن ترى ما هو مكتوب في الورقة وكل شيء يبدو ضبابيا، أو تصاب بوعكة صحية حادة في فترة الإمتحانات بشكل مفاجئ…إلخ. هناك الكثير من المواقف التي تخبرك بأن هناك شيء يمنعك من الأداء بشكل جيد. والحل هو أن تصغي جيدا لنفسك وتحاول اكتشاف الموقف أو الشيء الذي سبب لك الفوبيا ومعالجته فتبدأ هذه الأعراض بالإختفاء تدريجيا، أو في بعض الحالات تختفي من أول جلسة وأول محاولة تماما وفي رمشة عين بينما المعانات قد دامت سنوات.

وفي النهاية أقولها وأكررها، استمتع بمرحلتك هذه كن كطفل صغير يكتشف العالم بعينين تملأهما الدهشة والفضول و الحياة. عش بحب وشغف هذه المرحلة بكل تفاصيلها فستمر ويأتي يوم وتتمنى لو أنها تعود وتغير فيها الكثير.

أتمنى أن يكون المقال مفيدا ولو بشكل طفيف، أنوي لكل الجامعيين الجدد تجربة رائعة وحياة طلابية ممتعة وتعلم سهل وميسر وطموح محقق بإذن الله.